الشيخ محمد رشيد رضا

595

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وذكره مضافا إلى ضميرهم تنبيه إلى عظم قدر هذه الدرجات وتكريم لأهلها ، فان اللّه تعالى فضل بعض الناس ورفعهم على بعض درجة أو درجات في الدنيا وفي الآخرة وعند الرب عز وجل وهذا الأخير وان كان يكون في الآخرة فان وصفه بكونه عند الرب وبإضافة اسم الرب إلى أصحاب الدرجات يدل على مزيد رفعة واختصاص وإذا أردت أن تفقه معنى الدرجات في التفاضل بين الناس فتأمل قوله تعالى بعد بيان تساوي الرجال والنساء في الحقوق ( وللرجال عليهن درجة ) وهي درجة الولاية العامة والخاصة . وقوله تعالى في فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ( 4 : 94 لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى . وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 95 ) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) وهنا جمع بين الدرجة والدرجات فقيل الدرجة تفضيلهم في الدنيا وقيل منزلتهم عند اللّه تعالى والدرجات منازلهم في الجنة . وفي معناه قوله تعالى في تفضيل الايمان والهجرة والجهاد في سبيل اللّه على سقاية الحاج من سورة التوبة ( 9 : 20 الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) الخ الآيتين بعدها . وقال تعالى في بيان التفاوت والبعد بين متبعي رضوانه ومتبعي سخطه من سورة آل عمران ( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) والظاهر أن العندية هنا عندية الحكم أو الجزاء لا المكانة لأنها محمولة على الفريقين . وقال تعالى في الرسل ( 2 : 253 تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) الآية قالوا هذه لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال تعالى في إبراهيم عقب ذكر محاجته لقومه ( 6 : 84 وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ) وقال في سياق قصة يوسف مع أخوته عقب ذكر أخذه لأخيه الشفيق منهم بوجه شرعي ( 12 : 76 كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) وقال في درجات الدنيا وحدها وهي آخر آية من سورة الأنعام ( 6 : 167 وَهُوَ